الْحَنِيفِيَّةُ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِ
الخطبة الأولى
الْحَمْدُ لِلّٰهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مَا تَحَرَّكَ مُتَحَرِّكٌ وَارْتَجَّ، وَلَبّٰى مُحْرِمٌ وَحَجَّ، وَقَصَدَ الْحَرَمَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ، وَأَقَامَ لِلّٰهِ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ، مَا نَحَرَتِ الْيُمْنَى النَّحَائِرُ، وَعُظِّمَتْ لِلّٰهِ الشَّعَائِرُ، وَسَارَ إِلَى الْجَمَرَاتِ سَائِرٌ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ مُوَدِّعٌ وَزَائِرٌ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَاعُونَ مُهْرِوِلُونَ، وَلِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُسْتَلِمُونَ مُقَبِّلُونَ، وَمِنْ مَاءٍ زَمْزَمَ شَارِبُونَ مُتَطَهِّرُونَ
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى:
﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا، وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! ثُمَّ الْحَنِيفِيَّةُ هِيَ الْمِلَّةُ الَّتِي قَامَتْ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ ﷻ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَالِابْتِعَادِ عَنِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي جَاءَ بِهِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، فَالدِّينُ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَالْمِلَّةُ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْهَدْيُ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا، وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ، اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وَالْحَنِيفِيَّةُ هِيَ دِينُ التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِسْلَامِ لِلّٰهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَدْنَاسِهِ، وَالْكُفْرِ وَأَدْرَانِهِ، وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ دُونِ اللهِ، لَا الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ، وَلَا الْهِنْدُوسِيَّةُ وَلَا الْبُوذِيَّةُ، إِنَّمَا هِيَ الْإِسْلَامُ، الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ السَّهْلَةُ الْبَيْضَاءُ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾
نَفَعَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، إِنَّهُ تَعَالَى جَوَادٌ كَرِيمٌ مَلِكٌ بَرٌّ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا؛ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَ الْبَشَرَ، وَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ كَمَا أَخْبَرَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْمَيَامِينِ الْغُرَرِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا بَزَغَ نَجْمٌ وَظَهَرَ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا، وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: **﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا، إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾
هَذَا! وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى سَيِّدِ الْبَشَرِ، وَخَيْرِ مَنْ وَطِئَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فَاللّٰهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ، وَبَارِكْ وَأَنْعِمْ، عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَبِي الْقَاسِمِ، مَا تَعَاقَبَ الْجَدِيدَانِ وَتَتَابَعَتِ الْمَوَاسِمُ، وَارْضَ اللّٰهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، سَادَتِنَا الْكِرَامِ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ صَحَابَةِ نَبِيِّكَ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. تَعَادَلُوا عِبَادَ اللهِ! فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
اذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

