إِسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاء
الخطبة الأولى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ نُزُلًا، وَيَسَّرَ لَهُمُ الْأَعْمَال الصَّالِحَةَ فَلَمْ يَتَّخِذُوا سِوَاهَا شُغْلًا، وَحَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى دَارِالِامْتِحَانِ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بَشَّرَعَلَى لِسَانِهِ لِعِبَادِهِ، بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الْفِرْدَوْسِ، فَهِيَ خَيْرُ الْبُشْرِ عَلَى لِسَانِ خَيْرِ الْبَشَرِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَاسْتَحْيُوا مِنْهُ حَقَّ الْحَيَاءِ، وَهُوَ حِفْظُ الرَّأْسِ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنِ وَمَا حَوَى، وَتَذَكَّرُ الْمَوْتِ وَالْبِلَا، وَإِرَادَةُ الْآخِرَةِ وَتَرْكُ زِينَةِ الدُّنْيَا، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ التَّرْمِذِيُّ رضي الله عنه فِي جَامِعِهِ، وَهُوَ مِنَ الْوَصَايَا الَّتِي لَوْ تَمَسَّكَ بِهَا الْمُسْلِمُ، لَكَفَتْهُ فِي إِصْلَاحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَالْحَيَاءُ خُلُقُ فَاضِلُ، وَكَمَالُ وَافِرُ، وَسُلُوكُ نَبِيلُ، وَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، وَالرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَالِغُوا فِي الْحَيَاءِ مَعَ اللَّهِ، فَيَقُولُ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»، أَيْ: الْحَيَاءُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَتْرُكُ صَاحِبَهُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَالْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ، وَقَالَ وَهُوَ بِنَفْسِهِ يُفَسِّرُ: أَنْ تَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَا، مَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ حَرِيصًا عَلَى تَذَكُرِهِمَا، بِحَيْثُ لَا تَغْفُلُ عِنْدَهُمَا إِلَّا وَقَدْ أَخَذْتَ لِنَفْسِكَ مِنْ بَعْدِ الْغَفْلَةِ ذِكْرًا لَهُمَا، قَالَ تَعَالَى:﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وَالْبِلَا تَنَاوُلُ الْأَجْسَادِ وَفَسَادُهَا بِالْمَوْتِ فَتَصِيرُ عِظَامًا نَخِرَةً، بَلْ تَصِيرُ تُرَابًا مُخْتَلِطَةً بِتُرَابِ الْأَرْضِ، وَالتُّرَابُ إِنَّمَا هُوَ أَصْلُ الْإِنْسَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، يَقُولُ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ رحمه الله: مَرَرْتُ بِالْمَقْبَرَةِ فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ:
أَتَيْتُ الْقُبُورَ فَنَادَيْتُهَا ... أَيْنَ الْمُعَظَّمُ وَالْمُحْتَقَر
وَأَيْنَ الْمُدِلُّ بِسُلْطَانِهِ ... وَأَيْنَ الْمُزَكَّى إِذَا مَا افْتَخَرَ
قَالَ: فَنُودِيتُ مِنْ بَيْنِهَا؛ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا:
تَفَانَوْا جَمِيعًا فَمَا مُخْبِرُ ... وَمَاتُوا جَمِيعًا وَمَاتَ الْخَبَر
وَصَارُوا إِلَى مَالِكٍ قَاهِرٍ ... عَزِيزٍ مُطَاعٍ إِذَا مَا أَمَر
تَرُوحُ وَتَغْدُو بَنَاتُ الثَّرَى ... فَتَمْحُو مَحَاسِنَ تِلْكَ الصُّوَرِ
فَيَا سَائِلِي عَنْ أُنَاسٍ مَضَوْا ... أَمَا لَكَ فِيمَا تَرَى مُعْتَبَر
نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهَا مِنْ مَعَانٍ جَلِيلَةٍ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَالْغَفُورُالرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى شَأْنُهُ:﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وَقَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾.
هَذَا! وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، وَالنِّعْمَةِ الْمُسْدَاةِ، نَبِيِّكُمْ وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ مَنْ جَلَّ فِي عُلَاهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، سَادَتِنَا الْكِرَامِ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ صَحَابَةِ نَبِيِّكَ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ يَا بَارِئَ الْبَرِيَّاتِ، وَغَافِرَ الْخَطِيئَاتِ، وَعَالِمَ الْخَفِيَّاتِ، وَمُطَّلِعَ الضَّمَائِرِ وَالنِّيَّاتِ، أَقِلْ عَثَرَاتِنَا، وَاغْفِرْ زَلَّاتِنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْعُيُوبَنَا، وَتَجَاوَزْعَنْ سَيِّئَاتِنَا، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
تَعَادَلُوا عِبَادَ اللَّهِ! فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِقَوْلِهِ:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
أُذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

