حُبُّ النَّبِيِّ ﷺ وَمُقْتَضَاهُ
الخطبة الأولى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ جَعَلَ مَحَبَّتَهُ ﷺ مِنَ الْإِيْمَانِ، وَجَعَلَ سُنَّتَهُ طَرِيقًا لِدُخُوْلِ الْجِنَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللّٰهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ وَسَيِّدُ الْإِنْسِ وَالْجَانِّ، صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقُوا اللّٰهَ، فَهِيَ وَصِيَّةُ اللّٰهِ لِجَمِيْعِ خَلْقِهِ، وَوَصِيَّةُ رَسُولِهِ لِأُمَّتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللّٰهَ وَيَتَّقْهِ، فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُوْنَ﴾.
عِبَادَ اللّٰهِ! هَذَا ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللّٰهِ ﷺ، شَدِيْدُ الْحُبِّ لَهُ، قَلِيْلُ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَنَحَلَ جِسْمُهُ، وَيُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ؟! قَالَ: يَا رَسُولَ اللّٰهِ! مَا بِي ضُرٌّ وَلَا وَجَعٌ، غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ، وَاسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ وَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ هُنَاكَ، لِأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ هِيَ أَدْنٰى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْ لَا أَرَاكَ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللّٰهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَالرَّسُوْلَ، فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِيْنَ أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ، مِنَ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِيْنَ، وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيْقًا﴾.
يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! قَدِ امْتَنَّ اللّٰهُ بِبَعْثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَفَتَحَ اللّٰهُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا. فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَكَشَفَ الْغُمَّةَ، وَجَاهَدَ فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهَادِهِ. إِنَّهُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ إِذَا ذُكِرَ الْعِبَادُ فَهُوَ إِمَامُهُمْ، وَإِذَا أُشِيرَ إِلَى الْعُلَمَاءِ فَهُوَ مُعَلِّمُهُمْ، وَإِذَا أُشِيْدَ بِالشُّجْعَانِ فَهُوَ قَائِدُهُمْ، وَإِذَا مُدِحَ الدُّعَاةُ فَهُوَ قُدْوَتُهُمْ، مَا رَآهُ أَحَدٌ إِلَّا هَابَهُ، وَلَا عَاشَرَهُ أَحَدٌ إِلَّا أَحَبَّهُ، صَاحِبُ الْوَجْهِ الْوَضَّاءِ، وَالطُّهْرِ وَالصَّفَاءِ، دَائِمُ الْاِبْتِسَامَةِ، مَلِيْحُ الْوَجْهِ، كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَحْسَنُ النَّاسِ خَلْقًا وَخُلُقًا، أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاهُمْ، يُخَالِطُ الْفَقِيْرَ وَالْمِسْكِيْنَ، يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَأْكُلُ عَلَيْهَا، يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيْطُ ثَوْبَهُ وَيَخْدُمُ أَهْلَهُ. اَللّٰهُمَّ صَلِّ عَلٰى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُوْنَ! لَنْ يَكْتَمِلَ الْإِيْمَانُ فِي قُلُوبِنَا، وَلَنْ نَذُوْقَ حَلَاوَتَهُ، حَتّٰى نُحِبَّهُ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ أَنْفُسِنَا وَأَهْلِيْنَا وَأَمْوَالِنَا وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ، فَنُحِبُّهُ وَنَمْتَثِلُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْمَكَارِمِ وَالْمَحَاسِنِ وَالْفَضَائِلِ، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلٰى صُعُوْبَةِ الْأَمْرِ وَسُهُولَتِهِ، وَبَلَائِنَا وَرَخَائِنَا، وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا. بَارَكَ اللّٰهُ لِي وَلَكُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللّٰهَ فَاسْتَغْفِرُوْهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ.
الخطبة الثانية
اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِيْ خَصَّنَا بِخَيْرِ نَبِيِّهِ وَأَكْرَمِ كُتُبِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلٰى مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ رُسُلِهِ، مَحَبَّتُهُ مِنَ الْإِيْمَانِ، وَسُنَّتُهُ طَرِيْقُ الْجِنَانِ، وَعَلٰى آلِهِ الْعِظَامِ، وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَأَيُّهَا الْمُسْلِمُوْنَ! إِنَّ الْبُرْهَانَ الصَّادِقَ لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، هُوَ تَعْظِيْمُهُ وَإِجْلَالُهُ وَطَاعَتُهُ مِنْ غَيْرِغُلُوٍّ وَلَا جَفَاءٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِيْ يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيْمٌ﴾ أَيُّهَا الْمُحِبُّونَ! عَمَلٌ وَاسْتِقَامَةٌ وَاقْتِدَاءٌ، وَبَذْلٌ وَتَضْحِيَةٌ لِهَذَا الدِّيْنِ؛ وَتَوْقِيْرُهُ وَالدِّفَاعُ عَنْهُ، وَكَثْرَةُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ. فَاللّٰهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلٰى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللّٰهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ذَوِي الْفَضْلِ الْمُبِيْنِ، وَآلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِيْنَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَالتَّابِعِيْنَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلٰى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
اَللّٰهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ حَبِيبِكَ، يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ. اَللّٰهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوْقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحِبِّيْنَ، وَبِهَا عَامِلِيْنَ مُتَمَسِّكِيْنَ، بِرَحْمَتِكَ وَجُودِكَ وَسَخَائِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
تَعَادَلُوا عِبَادَ اللّٰهِ! فَإِنَّ اللّٰهَ أَمَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ﴾.
اذْكُرُوا اللّٰهَ الْعَظِيْمَ الْجَلِيْلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلٰى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللّٰهِ أَكْبَرُ، وَاللّٰهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.

